علي الهجويري

446

كشف المحجوب

قال إبراهيم الخواص اقتربت يوما من حي من أحياء العرب ونزلت في مضيفة شيخها فرأيت عبدا مصفدا بالسلاسل على باب الخيمة في الشمس المحرقة فأخذتني به رأفة وعزمت أن أشفع له عند ذلك الشيخ فلما أتى بالطعام امتنعت عن الأكل وذلك لعلمي أنه لا يشق على العربي شيء أكثر من ذلك فسألني الشيخ عن سبب امتناعى فقلت إني أتعشم في كرمه أن يمنحنى هبة ، فقال لي كل ما أملك لك فقلت له أنى لا أريد مالك ولكن أريد أن تعفوا عن هذا العبد إكراما لي ، فقال اسمع ذنبه : ثم بعد ذلك فك وثاقه : إن هذا العبد الحادي له صوت جميل فأرسلته إلى ضياعي ببعض الإبل ليحضر لي غلالها فحمل كل بعير حملين وصار يحدو لها حتى أن الإبل رجعت في ربع الوقت ، فلما حط عن الرحل مات الواحد منها بعد الآخر فقلت يا أيها الأمير إن من كان مثلك في الكرم لا يكذب وأحب أن أرى برهانك على هذه الحكاية وبينما كنا نتحدث أتى ببعض الإبل في الصحراء لترد الماء فسأل الأميركم يوما لهذه الإبل لم تشرب فقيل له أنه لها ثلاثة أيام فأمر العبد أن يغنى فأنصتت الإبل إلى غنائه ولم تشرب قطرة ماء ثم أجفلت وفرت تباعا إلى الصحراء فعفا الأمير عن العبد إجابة لطلبى . وإن كثيرا من الإبل والحمير تؤثر فيها أغانى السائقين وأن أهل خراسان والعراق إذا أرادوا صيد الغزلان ليلا دقوا الطبول حتى تقف الغزلان مستمعة للصوت فتمسك ، وكذلك من المشهور في الهند أن بعض الناس يذهبون إلى الفلاة ويغنون بصوت مطرب تسمعه الغزلان فتقرب منهم وتلتف حول الصيادين وهم يغنون حتى يغشيها النعاس في ذلك الصوت الحسن فيقتنصوها بسهولة ، مثل هذا الأمر ثابت عند الأطفال الذين يستكنون في مضاجعهم إذا غنوا لهم ويستمعون للغناء والأطباء يقولون عن مثل هذا الطفل أنه عاقل يتنبئون له بمستقبل باهر ، ويقال إنه لما توفى أحد ملوك الأكاسرة أراد وزراؤه أن يتوجوا ابنه الذي كان له من العمر سنتين فجاءوا إلى بزرجمهر